محمد بن جرير الطبري

10

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

أن يكون من قيل الكفار للمؤمنين ، فيكون تأويل الكلام حينئذ : ما أنتم أيها القوم في قيلكم لنا : أنفقوا مما رزقكم الله على مساكينكم ، إلا في ذهاب عن الحق ، وجور عن الرشد مبين لمن تأمله وتدبره ، أنه في ضلال ؛ وهذا أولى وجهيه بتأويله . والوجه الآخر : أن يكون ذلك من قيل الله للمشركين ، فيكون تأويله حينئذ : ما أنتم أيها الكافرون في قيلكم للمؤمنين : أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ، إلا في ضلال مبين ، عن أن قيلكم ذلك لهم ضلال . القول في تأويل قوله تعالى : وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يقول تعالى ذكره : ويقول هؤلاء المشركون المكذبون وعيد الله ، والبعث بعد الممات ، يستعجلون ربهم بالعذاب مَتى هذَا الْوَعْدُ أي الوعد بقيام الساعة إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أيها القوم ، وهذا قولهم لأهل الإيمان بالله ورسوله . القول في تأويل قوله تعالى : ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ يقول تعالى ذكره : ما ينتظر هؤلاء المشركون الذين يستعجلون بوعيد الله إياهم ، إلا صيحة واحدة تأخذهم ، وذلك نفخة الفزع عند قيام الساعة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل ، وجاءت الآثار . ذكر من قال ذلك ، وما فيه من الأثر : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا ابن أبي عدي ومحمد بن جعفر ، قالا : ثنا عوف بن أبي جميلة عن أبي المغيرة القواس ، عن عبد الله بن عمرو ، قال : لينفخن في الصور ، والناس في طرقهم وأسواقهم ومجالسهم ، حتى إن الثوب ليكون بين الرجلين يتساومان ، فما يرسله أحدهما من يده حتى ينفخ في الصور ، وحتى إن الرجل ليغدو من بيته فلا يرجع حتى ينفخ في الصور ، وهي التي قال الله : ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً الآية حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول : " تهيج الساعة بالناس والرجل يسقي ماشيته ، والرجل يصلح حوضه ، والرجل يقيم سلعته في سوقه والرجل يخفض ميزانه ويرفعه ، وتهيج بهم وهم كذلك ، فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون " حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد في قوله : ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً قال : النفخة نفخة واحدة حدثنا أبو كريب ، قال : ثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي ، عن إسماعيل بن رافع ، عمن ذكره ، عن محمد بن كعب القرظي ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " وإن الله لما فرغ من خلق السماوات والأرض خلق الصور ، فأعطاه إسرافيل ، فهو واضعه على فيه شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر " قال أبو هريرة : يا رسول الله : وما الصور ؟ قال : " قرن " قال : وكيف هو ؟ قال : " قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات ، الأولى نفخة الفزع ، والثانية نفخة الصعق ، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين ، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى فيقول : انفخ نفخة الفزع ، فيفزع أهل السماوات وأهل الأرض إلا من شاء الله ، ويأمره الله فيديمها ويطولها ، فلا يفتر ، وهي التي يقول الله : ما يَنْظُرُ هؤُلاءِ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً ما لَها مِنْ فَواقٍ ثم يأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق ، فيقول : انفخ نفخة الصعق ، فيصعق أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله ، فإذا هم خامدون ، ثم يميت من بقي ، فإذا لم يبق إلا الله الواحد الصمد ، بدل الأرض غير الأرض والسماوات ، فيبسطها ويستطحها ، ويمدها مد الأديم العكاظي ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، ثم يزجر الله الخلق زجرة ، فإذا هم في هذه المبدلة في مثل مواضعهم من الأولى